العيني

34

عمدة القاري

الخطابي ، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر هذا الحديث : إلاَّ تحلة القسم ، يعني : الورود ، وفي ( سنن أبي سعيد بن منصور ) : عن سفيان بن عيينة في آخره ثم قرأ سفيان : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * ( مريم : 17 ) . ومن طريق زمعة بن صالح عن الزهري في آخره ، قيل : وما تحلة القسم ؟ قال : قوله تعالى : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * ( مريم : 17 ) . وكذا وقع في رواية كريمة في أصل البخاري . قال أبو عبد الله : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * ( مريم : 17 ) . والمراد : بأبو عبد الله ، هو البخاري نفسه ، ولم يقع هذا في رواية غير كريمة ، ومن أقوى الدليل على أن المراد من الورود : الجواز ، حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري الذي ذكرناه في أوائل الباب ، وهو : ( من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلاَّ على عابر سبيل ) ، يعني : الجواز على الصراط ، ومع هذا اختلف السلف في المراد بالورود في الآية ، فقيل : هو الدخول ، واستدل على ذلك بما رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعا ( الورود : الدخول ، لا يبقى بر ولا فاجر إلاَّ دخلها ، فيكون على المؤمنين بردا وسلاما ) ورواه ابن أبي شيبة أيضا وزاد : ( كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو لجهنم ضجيج من بردهم ، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا ) . وروى الترمذي ، وقال : حدثنا عبد بن حميد ، قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل ( عن السدي قال : سألت مرة الهمداني عن قول الله تعالى : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * ( مريم : 17 ) . فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم ، فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه ) ، هذا حديث حسن ، ورواه شعبة عن السدي ولم يرفعه . حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن عن شعبة : عن السدي بمثله ، قال عبد الرحمن : قلت لشعبة : إن إسرائيل حدثني عن السدي عن مرة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شعبة وقد سمعته من السدي مرفوعا ولكني أدعه عمدا . وقيل : المراد بالورود الممر عليها . واستدل على ذلك بما رواه الإمام أبو الليث السمرقندي ، قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد مندوست ، قال : حدثنا فارس بن مردويه ، قال : حدثنا محمد بن الفضل ، قال : حدثنا علي بن عاصم ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : حدثنا الجريري عن أبي السليل عن غنيم بن قيس ( عن أبي العوام ، قال : قال كعب : هل تدرون ما قوله : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * ( مريم : 17 ) . قالوا : ما كنا لنرى ورودها إلاَّ دخولها . قال : لا ، ولكن ورودها : أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة حتى استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم ، نادى مناد : خذي أصحابك وذري أصحابي ، فتجيب بكل ولي لها وهي أعلم بهم من الوالد بولده ، وينجو المؤمنون ندية ثيابهم ) قوله : ( كأنها متن إهالة ) أي : ظهرها ، والإهالة ، بكسر الهمزة ، كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به . وقيل : هو ما أذيب من الإلية والشحم . وقيل : الدسم الجامد . وقيل : المراد بالورود الدنو منها ، وقيل : الإشراف عليها . وقيل : المراد به ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى ، وهو محكي عن مجاهد فإنه قال : الحمى حظ المؤمن من النار ، وقيل : الورود مختص بالكفار ، واستدل على ذلك بقراءة بعضهم : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * وحكي ذلك عن ابن عباس أيضا ، ويكون الورود على ذلك في الكفار دون المؤمنين ، وقال أبو عمر : ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ( فتمسه النار ) ، يدل على أن المراد بالورود الدخول ، لأن المسيس حقيقة في اللغة : المماسة ، ثم قال : روي عن ابن عباس وعلي ، رضي الله تعالى عنه ، أن الورود الدخول ، وكذا رواه أحمد بن حنبل عن جابر . انتهى . ويدل على صحة ذلك ما رواه مسلم من حديث أم مبشر : أن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال : ( لا يدخل أحد شهد الحديبية النار : أليس الله يقول : * ( وإن منكم إلاَّ واردها ) * ( مريم : 17 ) . فقال لها : أليس الله يقول : * ( ثم ننجي الذين اتقوا ) * ( مريم : 27 ) . الآية ، ويكون على مذهب هؤلاء : ثم ننجي الذين اتقوا بخروج المتقين من جملة من يدخلها ليعلم فضل النعمة بما شاهدوا فيه أهل العذاب . ذكر إعرابه : قوله : ( فيلج النار ) ، منصوب بأن المقدرة ، تقديره : فأن يلج النار ، لأن الفعل المضارع المنفي ينصب بأن المقدرة ، وحكى الطيبي عن بعضهم : إنما تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير : أن إذا كان ما قبلها أو ما بعدها سببية ، ولا سببية ههنا ، إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببا لولوج أبيهم النار ، فالفاء بمعنى الواو التي للجمعية ، وتقديره : لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار ، ونظيره ما ورد : ( ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، فيضره شيء ) . بالنصب ، وتقديره : لا يجتمع قول عبد هذه الكلمات في هذه الأوقات وضر شيء إياه . قال الطيبي : إن كانت الرواية على النصب فلا محيد عن ذلك ، والرفع يدل على أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد إلاَّ مقدارا يسيرا ، ومعنى : فاء التعقيب ، كمعنى الماضي في قوله تعالى :